شخصية المعرض .. عبد الرحمن الشرقاوى

يمتاز أدب عبد الرحمن الشرقاوي، مع تنوعه، بالأصالة والصدق في التعبير عن العواطف والحقائق. وقد تطرق الشرقاوي لكثير من المجالات الأدبية من القصة والرواية والمسرح والمسرحية الشعرية والكتابات الدينية والمقالات الأدبية والنقدية، وإن كانت هذه الآثار تختلف من ناحية التكنيك الفني ولكن الشرقاوي قد جعل في رأس كل آثاره عنصر الوظيفة، وهو دفاعه عن الحق والحقيقة وعن الإنسان وعن الشخصية المصرية، وقد أضافت الآثار الخالدة الكثير لجيله  وللأجيال التالية.

مولده ونشأته

ولد عبد الرحمن الشرقاوى فى 10 نوفمبر 1920 فى قرية الدلاتون التابعة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية .

فى مقتبل حياته حفظ آيات قرآنية كثيرة علي يد شيخ القرية وفقيهها ، ثم دخل المدرسة الإلزامية فى القرية وبعدها التحق بالمدرسة  الأولية فى قرية مجاورة .

فى الطفولة حفظ شعر عنتر بن شداد كله ودفعه هذا الي حفظ الشعر الجاهلى ولاسيما المعلقات، وفى العاصمة تعرف على ألوان آخرى من كتب التراث العربي ، تعرف علي الجاحظ وأغانى أبي الفرج الأصفهانى ، كما تعرف علي ألوان أخرى من الشعر حتى العصر العباسي ، وحفظ مختارات البارودى وأبي تمام .

وفى المرحلة الثانوية ، كان يصغى كل أربعاء من الأسبوع الي قراءة حديث الأربعاء لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذى كانت تنشره جريدة السياسة ، ومن خلال حديث الأربعاء ظهرت أمامه عوالم سحرية باهرة من حياة الشعراء العرب فى العصور الماضية ، وعلى الرغم من التحاقه بكلية الحقوق فلم تفته محاضرة واحدة من محاضرات الآداب ، وتعرف على أساتذة أجلاء منهم : طه حسين ، أحمد أمين ، مصطفى عبد الرازق ، مصطفى زيادة ، شفيق غربال .

تخرج فى كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1943 ، واشتغل بالمحاماة لمدة عامين لكنه قرر أن يكون كاتباً .

أفكاره وانتماؤه السياسي والاجتماعى والدينى

اختار الشرقاوى الاشتراكية مرجعية له وكان لذلك الخيار صلة وثيقة بطموح جارف عنده لإحداث التغيير فى مصر فى اتجاه أكثر راديكالية من تلك الليبرالية المتعثرة

كانت رؤية الشرقاوى فى كل إنتاجه الأدبي ، رؤية سياسية اجتماعية ، فكان أول من جعل موضوع القرية والفلاحين موضوع رواياته ويقارن قريته بالقري الآخرى ، يكتب عن قضايا الواقع فى مجتمعه ، ويعتقد بإصلاح المجتمع وتغيير النظام الفاسد ويستمر بالحديث عن هذه الوقائع الاجتماعية والسياسية طوال حياته .

وتشير قصائده السياسيّة والاجتماعيّة – البالغ عددها تسع عشرة قصيدة- إلی أنّ الشّاعر لم يعش بمعزل عن مجريات الواقع من حوله وإنّما تأثر بالأحداث السياسيّة الدائرة وکان له موقف منها، إنعکس علی تجربته الشّعرية… وقصائده في الشّعر السيّاسي تشير إلى أنّ الهمّ السّياسي کان شاغلاً أساسيّاً في حياته.

كان الشرقاوى فى عام 1945 أحد مؤسسي مجلة ” الفجر الجديد ” مع عدد من مثقفي تلك الحقبة الذين أصبحوا معه رموزاً ثقافية كبيرة فى مصر وفى العالم العربي منهم : أحمد صادق سعد، وعلى الراعى، وأحمد رشدى.

شارك فى تحرير الصفحة الأدبية لجريدة ” المصرى ” ونشر فيها الكثير من القصص والمقالات والقصائد وأشرف على الصفحة الأدبية بجريدة ” الشعب “، ثم جريدة ” الجمهورية ” وخاض على صفحاتها معارك كثيرة دفاعاً عن الشعر الحديث .

ثم عين رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة ” روز اليوسف ” عام 1971، وعين سكرتيراً للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بدرجة وزير 1977 – 1979، ثم تفرغ للكتابة فى جريدة ” الأهرام ” 1971 .

 حصل علی جائزة الدولة التقديريّة في الأدب ونال وسام الآداب والفنون من الطبقة الأولی عام 1974م. وإنتخب رئيساً لمنظمة تضامن الشّعوب الإفريقيّة والاسيويّة في مؤتمر عدن عام، 1981م.

حياته الأدبية

تنوعت كتابات الشرقاوى الأدبية على امتداد ثلاثة عقود هى الخمسينات والستينات والسبعينات ، تنوعت أعماله بين قصائد شعرية ومسرح شعري وقصة قصيرة ورواية ، هذا التنوع فى أعماله الأدبية والثقافية يبين مدى آفاقه الفكرية السامية فى فنون الأدب المختلفة

بعد صدور رواية الأرض أصدر مجموعة قصصية أتبعها بإصدار ثلاث روايات الأولى ” قلوب خالية ” فى عام 1955 والثانية ” الشوارع الخلفية ” فى عام 1958 ، والثالثة ” الفلاح ” فى عام 1968 ، الا أنه  اكتشف طريقاً آخر للإبداع في كتابة الشعر ، بعد أن كرر صيغة قصيدته ” من أب مصرى  إلى الرئيس ترومان ” فى قصيدة ثانية هى ” رسالة مصرى الى الرئيس جونسون ” 1967 .

بدأ الشرقاوى يكتب المسرحيات الشعرية كصيغة جديدة فى إبداعه الأدبي كرس لها جهداً وزمناً كبيرين وكانت أولى مسرحياته الشعرية ” مأساة جميلة أو مأساة جزائرية ” عام 1962، وجميلة فى المسرحية هى جميلة بو حريد ، الفتاة الجزائرية المناضلة التى اعتقلتها سلطات الاحتلال الفرنسي وتحولت قضيتها الي رمز لنضال الشعب الجزائرى من أجل حريته واستقلاله .

ثم جاءت المسرحية الثانية ” الفتى مهران ” عام 1965 وهى واحدة من أجمل وأروع ما كتب الشرقاوى فى الشعر والأدب وفى الرمز الأدبي والسياسي فهو فى هذه المسرحية يحاكم نظاماً سياسياً بكامله من دون أن يسجل على نفسه تبعات موقفه ، إذ كان معروفاً عن الشرقاوي تجنبه الخوض في المعارك المباشرة مع السلطات ، لذلك كان الرمز سيد اللغة فى تلك المسرحية .

ثم تابع إصدار مسرحياته الشعرية الواحدة تلو الأخرى ، فأصدر فى عام 1967 مسرحية ” تمثال الحرية ” وأصدر مسرحية ” وطنى عكا ” فى عام 1968 ، وفى عام 1970 أصدر مسرحيتيه المكرستين لشخصية الإمام الحسين بن علي بعنوان ” ثأر الله “؛ الأولى تتحدث عن الحسين ثائراً والثانية عن الحسين شهيداً .

وكانت آخر مسرحياته الشعرية، مسرحية ” عرابي زعيم الفلاحين ” التى يروى فيها قصة الثائر الكبير فى تاريخ مصر ، الذى لم يساوم على استقلال بلاده فنفى الي جزيرة سيلان ( سريلانكا).

ويبدو أن الشرقاوى شعر فى أواخر السبعينات أنه أنهى مشروعه الأدبي فاختار الإنتقال إلي البحث فى التراث العربي الإسلامى، وأصدر سلسلة من الكتب بدأها بكتاب ” قراءات فى الفكر الإسلامى ” الذى صدر فى عام 1972، ثم أصدر بعد ذلك كتابه ” أئمة الفقه التسعة” فى عام 1970 . ويروى الشرقاوي فى هذا الكتاب السيرة الفقهية لهؤلاء الأئمة وفق تقديره لكل منهم، وأتبع هذا الكتاب بكتاب آخر عن شخصية فقهية معروفة فى الاسلام هو ابن تيمية 1983 الذى يصفه الشرقاوى بالفقيه المعذب ، ثم انتقل بعد ذلك للكتابة عن الإمام علي بن ابي طالب فى جزئين ( 1984 – 1985 ) بعنوان ” على إمام المتقين “. وكان آخر كتبه كتابه المكرس لشخصية فذة فى تاريخ الخلافة الأموية هى شخصية الخليفة عمر بن عبد العزيز.

وفاته   

توفى عبد الرحمن الشرقاوى فى 24 نوفمبر عام 1987 ، ورغم وفاته إلا إنه سيظل واحداً من كبار رموز تاريخ الأدب المصرى شعراً ورواية ومسرحاً شعرياً.